فخر الدين الرازي
77
تفسير الرازي
ولا سيما إذا نظرت إلى ما تقدم من الحكايات ووجدتها عين تلك الحكايات يقوي هذا القول وكذلك قوله تعالى : * ( ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر ) * ( القمر : 51 ) يدل على صحة هذا القول تاسعها : في معنى اللمح بالبصر وجهان أحدهما : النظر بالعين يقال : لمحته ببصري كما يقال : نظرت إليه بعيني والباء حينئذ كما يذكر في الآيات فيقال : كتبت بالقلم ، واختار هذا المثال لأن النظر بالعين أسرع حركة توجد في الإنسان لأن العين وجد فيها أمور تعين على سرعة الحركة أحدها : قرب المحرك منها فإن المحرك العصبية ومنبتها الدماغ والعين في غاية القرب منه ثانيها : صغر حجمها فإنها لا تعصى على المحرك ولا تثقل عليه بخلاف العظام ثالثها : استدارة شكلها فإن دحرجة الكرة أسهل من دحرجة المربع والمثلث رابعها : كونها في رطوبة مخلوقة في العضو الذي هو موضعها وهذه الحكمة في أن المرئيات في غاية الكثرة بخلاف المأكولات والمسموعات والمقاصد التي تقصد بالأرجل والمذوقات ، فلولا سرعة حركة الآلة التي بها إدراك المبصرات لما وصل إلى الكل إلا بعد طول زمان وثانيهما : اللمح بالبصر معناه البرق يخطف بالبصر ويمر به سريعاً والباء حينئذ للإلصاق لا للاستعانة كقوله : مررت به وذلك في غاية السرعة ، وقوله : * ( بالبصر ) * فيه فائدة وهي غاية السرعة فإنه لو قال : كلمح البرق حين برق ويبتدئ حركته من مكان وينتهي إلى مكان آخر في أقل زمان يفرض لصح ، لكن مع هذا فالقدر الذي مروره يكون بالبصر أقل من الذي يكون من مبتداه إلى منتهاه ، فقال : * ( كلمح ) * لا كما قيل : من المبدأ إلى المنتهى بل القدر الذي يمر بالبصر وهو غاية القلة ونهاية السرعة . ثم قال تعالى : * ( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ) * . والأشياع الأشكال ، وقد ذكرنا أن هذا يدل على أن قوله : * ( وما أمرنا إلا واحدة ) * ( القمر : 50 ) تهديد بالإهلاك والثاني ظاهر . وقوله تعالى : * ( وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى الزُّبُرِ ) * . إشارة إلى أن الأمر غير مقتصر على إهلاكهم بل الإهلاك هو العاجل والعذاب الآجل الذي هو معد لهم على ما فعلوه ، مكتوب عليهم ، والزبر هي كتب الكتبة الذين قال تعالى فيهم : * ( كلا بل تكذبون بالدين * وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين ) * ( الانفطار : 9 - 11 ) و : * ( فعلوه ) * صفة شيء والنكرة توصف بالجمل . وقوله تعالى : * ( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ ) * . تعميم للحكم أي ليست الكتابة مقتصرة على ما فعلوه بل ما فعله غيرهم أيضاً مسطور فلا يخرج عن الكتب صغيرة ولا كبيرة ، وقد ذكرنا في قوله تعالى : * ( لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر